ما هو الإنترنت الفضائي؟ وهل يمكن أن يصبح أمراً منتشراً حقاً في المستقبل؟

على الرغم من كل التطور التقني الذي شهدته العقود الأخيرة من الزمن، لا تزال فكرة الإنترنت بعيد المدى غير مطبقة حقاً في معظم الأماكن. حيث أننا لا نزال نعتمد على الأسلاك في كل شيء تقريباً، وحتى الإنترنت عبر الشبكات الهاتفية عادة ما يكون مجرد إعادة توزيع لاتصال محمول أصلاً عبر كوابل الألياف الضوئية. بالمقابل وعبر السنوات استمرت فكرة الإنترنت الفضائي بالظهور مرة بعد أخرى في سياقات مختلفة ولو أن معظمها كان يبدو أقرب للخيال منه إلى الواقع.

 

الآن وعلى عكس أي وقت مضى يمكن القول إن الإنترنت الفضائي قد يصبح أمراً حقيقياً للجميع بفضل الجهود الكبيرة لشركة SpaceX الأمريكية في المجال ومشروع Starlink، لكن ماذا عن الإنترنت الفضائي الذي كان يتم الحديث عنه طوال عقود مضت؟

 

في هذا الموضوع سنشرح ما هو الإنترنت الفضائي، وما أنواعه والميزات التي تجعله فكرة جيدة وبالمقابل العيوب الواضحة له، كما سنتناول بشكل مختصر مشروع Starlink ومدى تأثيره الكبير على فكرة الإنترنت الفضائي بشكل خاص وعلى عالم الاتصالات ككل بشكل عام.

 

ما هو الإنترنت الفضائي؟

 

حالياً هناك وسيلتان أساسيتان للحصول على الإنترنت في أي مكان تقريباً، إما اشتراكات الإنترنت الثابت عبر كابل خاص يتم توصيله إلى البناء ووصله بجهاز بث خاص (Router) بحيث يتمتع الأشخاص القريبون بالإنترنت اللاسلكي، أو “إنترنت بيانات الهاتف” الذي يعتمد على شبكات الهواتف بمختف أجيالها (بدأ دعم الإنترنت عبر شبكات الهواتف منذ الجيل الثاني) والذي عادة ما يكون مكلفاً أكثر، لكه يمنح حرية أكبر للمستخدم للتنقل في معظم الأماكن.

 

بالمقابل يتميز الإنترنت الفضائي بأنه يعتمد على الأقمار الصناعية بشكل جزئي أو كلي لإيصال واستقبال البيانات من المستخدمين. ومع كون الأقمار الصناعية تدور على بعد مئات الكيلومترات من سطح الأرض، فهي تمتلك مجال تغطية أوسع بوضوح من أساليب الاتصال الأخرى، وبالتالي تتيح الحصول على الإنترنت حتى في الأماكن النائية مثل الغابات والصحاري وحتى في البحار والمحيطات مثلاً.

 

بالطبع فالأمر يمتلك عقبات عديدة هنا، لعل أبرزها هو أن المعدات اللازمة للحصول على الإنترنت الفضائي أعقد بكثير من سواها. حيث كل ما تحتاجه للإنترنت الثابت هو جهاز راوتر يتصل بالكابل فقط، فيما تحتاج هاتفاً ذكياً أو جهاز مودم رخيص للحصول على إنترنت الشبكات الهاتفية. لكن في حال كنت تريد الاتصال بالإنترنت الفضائي فمن المعتاد أن تحتاج لمعدات استقبال وإرسال كبيرة الحجم ومكلفة مع أسعار قد تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات دون احتساب الاشتراكات الشهرية بالطبع.

 

ما هي أنواع الإنترنت الفضائي؟

 

من حيث المبدأ هناك 3 أنواع مختلفة لما يسمى بالإنترنت الفضائي اليوم، وهنا سنتناول كلاً منها على حدة:

 

الإنترنت الفضائي ثنائي الاتجاه

 

في هذا النوع يمتلك المستخدمون أجهزة مخصصة للإرسال والاستقبال الفضائي، أي أن طلب المعلومات يرسل من المستخدم إلى القمر الصناعي الذي يعيد توجيهه إلى محطة أرضية ومن هناك يتم جلب البيانات المطلوبة التي يعاد إرسالها إلى القمر الصناعي ومن ثم إرسالها مجدداً إلى المستخدم الذي طلبها.

 

هذا النوع هو الأصدق من حيث تسمية الإنترنت الفضائي في الواقع، حيث أن الأقمار الصناعية جزء أساسي من عملية إرسال أو استقبال البيانات، كما أنه النوع الأعلى تكلفة والأصعب للحصول عليه مع كون معدات الإرسال كبيرة الحجم ومكلفة عادة.

 

الإنترنت الفضائي أحادي الاتجاه

 

ما هو الإنترنت الفضائي؟ وهل يمكن أن يصبح أمراً منتشراً حقاً في المستقبل؟

 

وفق هذا النوع لا يقوم المستخدم بإرسال المعلومات والبيانات إلى القمر الصناعي في الواقع، بل أنه يرسل البيانات إلى محطة أرضية عبر شبكة سلكية أو لاسلكية، ومن ثم تقوم المحطة الأرضية بالتواصل مع القمر الصناعي وإعادة توجيه الطلب إلى محطة أخرى في مكان متصل بالإنترنت التقليدي للحصول على المعلومات المطلوبة ومن ثم إرسال النتائج عبر الأقمار الصناعية إلى المستخدم.

 

في هذا النوع يستفيد سكان المناطق النائية من الإنترنت الفضائي بشكل أفضل عادة، حيث أن لا حادة لأجهزة إرسال فردية حقاً، بل من الممكن أن تشترك قرية أو مدينة بأكملها بمحطة إرسال وحيدة (مع كون معظم استهلاك الإنترنت المعتاد هو تحميل وليس رفعاً) فيما يمكن لكل مستخدم الاستقبال عبر صحن لاقط بسيط ورخيص الثمن عادة.

 

مع كون المستخدم يستقبل البيانات من القمر الصناعي لكنه لا يرسلها إليه مباشرة، هناك اتجاه واحد “فضائي” ضمن علاقة المستخدم مع الشبكة، لذا تسمى هذه الطريقة بالإنترنت الفضائي أحادي الاتجاه للتمييز عن الإنترنت الفضائي ثنائي الاتجاه سابق الذكر.

 

الإنترنت الفضائي المزيف

 

في التسعينيات ومطلع الألفية كان مصطلح الإنترنت الفضائي يطلق على أسلوب قرصنة لا يصنف على اتصال بشبكة الإنترنت أصلاً، حيث كان البعض يستخدم الحواسيب مع معدات خاصة لاستقبال بث الأقمار الصناعية، ومن ثم تخزين ما يتم استقباله دفعة واحدة والبحث ضمنه عن أية معلومات ذات قيمة.

 

في معظم الحالات يتم استقبال معلومات غير مفيدة عبر أجهزة الاستقبال هذه، لكن في أحيان أخرى تكون المعلومات مفيدة للغاية لمن يتنصت لها وبالأخص في حال كانت بيانات من أقمار صناعية للتجسس أو للاتصالات ولم تكن مشفرة أو أن تشفيرها ضعيف وسهل التجاوز.

 

للتأكيد، ما يحدث هنا ليس “إنترنت فضائي” بأي شكل من الأشكال، فالمستخدم لا يمتلك أي وصول إلى الإنترنت من جهة، كما أن الاتصال أحادي الجهة حيث أن المستخدم لا يرسل أية بيانات بل يستقبل فقط، وحتى أنه لا يمتلك أية سيطرة على البيانات التي يستقبلها بل يحصل على أي ما يتصادف بثه فقط.

 

ما هي الميزات التي تجعل الإنترنت الفضائي فكرة مغرية؟

 

ما هو الإنترنت الفضائي؟ وهل يمكن أن يصبح أمراً منتشراً حقاً في المستقبل؟

 

بالإضافة إلى كونه فكرة تبدو مستقبلية وبالتالي مثيرة للاهتمام للكثيرين على أي حال، هناك في الواقع بعض الفوائد المميزة للإنترنت الفضائي، ولعل أهم هذه الأمور هي:

 

  • توافر الإنترنت بغض النظر عن المنطقة الجغرافية وحتى في الأماكن النائية جداً.
  • تجاوز الحظر الحكومي للمواقع والخدمات والوصول إلى الإنترنت بشكل كامل.

 

في الوقت الحالي على الأقل، ترتبط أية ميزات ممكنة للإنترنت الفضائي بعدم توافر أنواع الإنترنت الأخرى فقط، حيث أن وجود اتصال إنترنت ثابت أو هاتفي سريع كفاية عادة ما يجعل شراء اشتراكات الإنترنت الفضائي ودفع المال مقابل المعدات فكرة سيئة للغاية وغير منطقية، ولو أن الأمور ربما تتغير في المستقبل.

 

ما هي العيوب الأساسية أمام انتشار الإنترنت الفضائي؟

 

للأسف ومع أن هناك خدمات إنترنت فضائي موجودة منذ الآن، هناك أسباب حقيقي لعدم انتشارها على نطاق واسع وكونها محدودة بعدد قليل جداً من المستخدمين:

 

اعتماد الخدمة على حالة الجو: مع كون اتصال الإنترنت يحتاج الأقمار الصناعية فوجود السحب أو العواصف من الممكن أن يؤدي لضعف الخدمة أو انقطاعها بشكل كامل.

 

السعر الأولي المرتفع: من الممكن أن تكلف معدات الاتصال بالإنترنت الفضائي بضعة آلاف من الدولارات بالإضافة لكون الاشتراكات باهظة للغاية مما يجعله أغلى بوضوح من الخيارات التقليدية.

 

القلق حيال الخصوصية: على الرغم من استخدام التشفير، هناك فرصة أفضل للمخترقين للوصول إلى بياناتك إن كانت تبث من قمر صناعي ومن ثم أخذ وقتهم في محاولة فك تشفيرها على عكس محدودية القدرة على التجسس على أنواع الشبكات الأخرى.

 

الحالة القانونية غير الواضحة: العديد من البلدان حول العالم إما تحظر استخدام الإنترنت الفضائي بشكل كامل أو أنها لا تمتلك تشريعات حيال الأمر لكن تطبق الحظر على أي حال، وفي المنطقة العربية فالأرجح أن استخدامك للإنترنت الفضائي قد يتسبب لك بمشاكل قانونية.

 

ما الجديد في شبكة Starlink؟

 

ما هو الإنترنت الفضائي؟ وهل يمكن أن يصبح أمراً منتشراً حقاً في المستقبل؟

 

شبكة Starlink هي مجموعة أقمار صناعية يتوقع أن يكون عددها 12 ألف قمر صناعي مخصصة لتوفير الاتصالات والإنترنت الفضائي للجميع. والمختلف حيال هذه الشبكة هو العدد الهائل لأقمارها الصناعية وبالتالي تقليل الحاجة لأجهزة الإرسال القوية وتقليل التكلفة على المستخدمين.

 

بدأ المشروع من شركة SpaceX الشهيرة في مجال الفضاء، والآن بات هناك قرابة 1000 قمر صناعي ضمن المنظومة التي باتت ضمن فترتها التجريبية الآن، حيث أظهرت تسريبات أخيرة أن الشبكة تقدم سرعات بين 50-150Mbps مع وقت استجابة منخفض: 20-40ms، كما أنها أرخص من أنواع الإنترنت الفضائي الأخرى إذ ستكلف معداتها 500 دولار للتركيب الأولي، بالإضافة لاشتراك شهري بسعر 100 دولار.

 

في حال حققت شبكة Starlink النجاح المرجو وتمكنت من تقديم فكرة الإنترنت الفضائي العالمي حقاً، سيكون ذلك حدثاً هاماً للغاية ومغيراً في عالم الإنترنت الفضائي، فالسرعات المعلن عنها أفضل من أي خدمات أخرى متاحة حالياً، كما أن تكلفة المعدات تبدو رخيصة حتى مقابل سواها.

 

حالياً لا تزال الشبكة ضمن تجربة محدودة في الولايات المتحدة، لكن في حال وصلت إلى غايتها بتقديم سرعات تتجاوز 1Gbps بشكل عالمي سيكون ذلك منافساً حتى لمزودي خدمات الإنترنت التقليديين في الواقع.