عمالقة التقنية الصينية قد يطردون من سوق الأسهم الأمريكية قريباً

طوال العقدين الأخيرين استغلت الصين وجودها كقوة اقتصادية وسكانية كبرى بشكل كبير في المجال التقني، فعلى الرغم من أهميتها كسوق محتمل للعديد من الشركات التقنية الكبرى مثل Google وFacebook وغيرها، فقد أبقت الحكومة الصينية شركات التقنية الغربية بعيداً عن حدودها بحظر خدماتها بشكل كامل أو جزئي. حيث لن تتمكن من الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي أو خدمات Google أو سواها ضمن الصين، ومع أن الهدف المعلن هو حماية الأمن القومي للصين، فمن الواضح أن هناك سبباً آخر قد يكون أكثر أهمية: دعم الشركات التقنية الصينية المحلية.

 

على عكس العديد من البلدان الأخرى التي ترى حظر الخدمات العالمية الصينية كأمر سلبي، فالصين تمتلك حالة خاصة: ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وسوق هائل مع كونها أكبر بلدان العالم من حيث عدد السكان. وبالنتيجة نمت بعض شركات التقنية الصينية لتصبح عملاقة حقاً اليوم بفضل غياب المنافسة العالمية، لكن المثير للاهتمام هو أن العديد من هذه الشركات لا تدرج أسهمها ضمن الصين حقاً، بل أنها كثيراً ما تدرج أسهمها في البورصات الأمريكية الكبرى مثل NASDAQ وNYSE وسواها، والهدف بالطبع هو الاستفادة من المستثمرين الأمريكيين في المجال التقني.

 

لكن ومع أن الشركات التقنية الصينية حصلت على استثمارات هائلة وفوائد كبيرة من أسواق الأسهم الأمريكية، قد يتغير كل شيء الآن مع قرارات جديدة ستجعل موقعها في السوق الأمريكي بخطر كبير والأرجح أن بعضها سيرغم على ترك الولايات المتحدة ككل حتى.

 

قانون محاسبة الشركات الأجنبية (Holding Foreign Companies Accountable Act)

 

يوم الأمس أقر مجلس الشيوخ الأمريكي قانون محاسبة الشركات الأجنبية (يشار إليه اختصاراً باسم HFCAA)، ومع أن القرار لا زال في المرحلة التشريعية ويجب أن يوافق عليه مجلس النواب قبل توقيعه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهو مصدر قلق كبير لشركات التقنية الصينية بالأخص.

 

يتضمن القانون العديد من البنود المختلفة، لكن التركيز الأساسي هو على بند حاجة الشركات الأجنبية المدرجة في أسواق الأسهم الأمريكية لإثبات كونها ليست مملوكة أو يتم التحكم بها من قبل حكومة أجنبية. وبالإضافة لذلك يجب على هذه الشركات أن تفتح دفاتر حساباتها أمام هيئة الإشراف على المحاسبة للشركات العمومية (PCAOB) الأمريكية.

 

في السابق كانت هذه الأمور تنطبق على الشركات الأمريكية فقط، لكن توسيعها لتشمل الشركات الأجنبية سيحمل معه الكثير من التغييرات في الواقع، ومع أن معظم الشركات العالمية لن تعاني مشاكل حقاً مع هذا القانون، فالأمر سيكون أكثر تعقيداً للشركات الصينية في الواقع، حيث أن فكرة فتح دفاتر حساباتها ليست مغرية حقاً، كما أن علاقتها مع الحكومة الصينية محط الكثير من الشكوك والتكهنات على الرغم من عمليات الإنكار المتكررة.

 

لماذا ستتضرر الشركات التقنية الصينية من القرار أكثر من سواها

 

بالنسبة للعديد من الشركات العالمية يعد الإدراج في واحد من أسواق الأسهم الأمريكية خطوة هامة، حيث أن السوق الأمريكي يتضمن الكثير من الفرص الاستثمارية وبالأخص في المجال التقني. لكن وبينما أن عدد الشركات الأوروبية أو سواها قليل في السواق الأمريكية، هناك في الواقع مئات الشركات الصينية التي يتم تداول أسهمها في الولايات المتحدة، وبين هذه الشركات يبدو أن القاسم المشترك الأهم هو القطاع التقني.

 

وفق تقرير أصدرته الحكومة الأمريكية العام الماضي، هناك 165 شركة صينية مهددة بالطرد من السوق الأمريكي في حال بدأ عمل القانون الجديد عندما يصبح رسمياً، ومن هذه الشركات يمكن ملاحظة بعض من عمالقة التقنية الصينية:

 

  • Alibaba: أكبر شركة تجارة إلكترونية وخدمات سحابية في الصين والمقابل الصيني لشركة Amazon الشهيرة.
  • Baidu: شركة صينية مختصة بالبحث والخدمات السحابية وعادة ما توصف بأنها جوجل الصينية.
  • com: أكبر منصة تجارة إلكترونية من نوعها في الصين، حيث تشابه مبدأ عمل شركة Shopify العالمية.
  • Tencent: شركة متعددة الخدمات تنشط في مجال التواصل الاجتماعي والتراسل، كما تمتلك الكثير من استديوهات الألعاب وحصصاً كبيرة في شركات الألعاب الأخرى.

 

في الواقع جميع هذه الشركات التقنية يشتبه بكونها مملوكة جزئياً أو أنها خاضعة لتحكم الحزب الشيوعي الذي يحكم الصين، وبالتالي سيكون من الصعب على أي من هذه الشركات البقاء في أسواق الأسهم الأمريكية بعد القانون، وبالتأكيد ستفقد هذه الشركات العديد من فرص الاستثمار في الواقع.

 

الملحوظ ربما هو أن القائمة خالية من شركات تصنيع الهواتف الذكية مثل هواوي وشاومي وأوبو وسواها، والسبب هو أن هذه الشركات ليست عمومية أصلاً، بل أنها شركات مملوكة لجهات خاصة ولا يتم تداولها، وبالتالي فهي لن تتأثر بأيٍَ مما سيحدث في حال بدأ تطبيق القانون بعد إقراره.

 

ما السر في استهداف الشركات التقنية الصينية

 

هذا القانون الجديد يشمل أية شركة أجنبية متاحة للتداول في الولايات المتحدة، لكن الواقع هنا هو أن المتأثر الأكبر هو الشركات الصينية والجميع يعرف ذلك. حيث أن القانون يبدو كجزء من الحرب الاقتصادية التي يخوضها البلدان والتي تضمنت العديد من الرسوم والتعاريف الجمركية، بالإضافة إلى تشديد العقوبات الأخير على هواوي والذي سيصعب عملها بشكل كبير في الفترة القادمة.

 

وفق المسؤولين الأمريكيين، فالأمر متعلق بكون الشركات الصينية استفادت لوقت طويل من أسواق الولايات المتحدة الاستثمارية (علماً أن خدماتها غير متاحة في الولايات المتحدة عادة). لكن مقابل هذه الاستفادة فالشركات الصينية لا تلتزم بنفس معايير الشفافية والتشريعات المفروضة على الشركات الأمريكية، وبالتالي فهي تشكل خطراً كبيراً وأعلى من المعتاد على المستثمرين الأمريكيين.

 

في الواقع فقد تجلى الأمر بشكله الأوضح في شهر أبريل الأخير، حيث تم اكتشاف عمليات احتيال وتلاعب بالأرقام والمبيعات في شركة Luckin Coffee الصينية التي يتم تداولها في الولايات المتحدة، وبعد الفضيحة الكبرى انهارت أسهم الشركة بسرعة من أكثر من 30 دولاراً أمريكياً للسهم إلى دولارين فقط خلال أيام. وهذا النوع من الفضائح هو ما تسبب وضع هذه التشريعات على الشركات الأمريكية أصلاً.

 

مطلع الألفية تسببت فضيحة احتيال شركة Enron وعدة شركات أخرى وتلاعبها بالأرقام بموجة من الانتقادات لقلة تنظيم سوق الأسهم. وبالنتيجة تم فرض القيود الحالية على الشركات الأمريكية التي تتيح أسهمها للتداول، ومع أن القرار الأولي شمل الشركات المحلية فقط عندما دخل حيز التطبيق، فالقانون الجديد سيفرض نفس معايير الشفافية على الجميع.

 

ما هو رد فعل الشركات التقنية الصينية؟

 

منذ كان القانون مجرد مسودة فقط، فقد حظي بالكثير من الجدل من الشركات الصينية التي كانت رافضة له بشكل واضح عبر عدة تصريحات. والآن بعدما اقترب القانون من أن يصبح ملزماً، يبدو أن الشركات الصينية مدركة لكونه صار لها، وحتى أن الرئيس التنفيذي لشركة Baidu قال إن الشركة تزن خياراتها وتدرس نقل إدراجها من أسواق الأسهم الأمريكية إلى أسواق أسهم أخرى أقرب للصين.

 

بالنسبة للشركات الأوروبية لا يشكل الأمر مشكلة حقاً، حيث أن التشريعات الأوروبية الموجودة مسبقاً تفرض عليها معايير شفافية شد أحياناً من المطلوبة في الولايات المتحدة. لكن يبدو أن فكرة التحقيق بارتباط الشركات مع الحكومة الصينية ليست مغرية أو جذابة للشركات الصينية التي تحاول تجنبها.

 

الآن يبدو أن الكثير من الشركات التقنية الصينية ستخرج من أسواق الأسهم الأمريكية بشكل استباقي، ومع أن التنبؤ بتأثير هذا الأمر صعب جداً وغير دقيق، فالمؤكد أن القرار سيترك أثراً على الكثير من الشركات التي تجمع استثماراتها من الولايات المتحدة، وبالأخص الجديدة منها. كما أن الأمر قد يدفع العديد من المساهمين الأمريكيين لبيع أسهمهم في الشركات الصينية، وهو ما سيترك أثراً على المدى القريب على الأقل.

قد يعجبك ايضا