لماذا وكيف تحول القطاع التقني من دورات الربح إلى الربح المتواصل

لنفترض جدلاً أنك قد طورت برمجية ثورية جديدة، أو ربما صنعت منتجاً تقنياً مرغوباً ومع إقبال كبير. بطبيعة الحال سيعني الإقبال الكبير على برمجية أو منتج أنه سيحصل على ربح كبير في حال تم استغلال النجاح بالشكل الصحيح. لكن هناك مشكلة أساسية هنا: عاجلاً أم آجلاً سيصل المنتج إلى جميع المستخدمين المحتملين له. وفي حينها ستتوقف الإيرادات ويصبح المنتج على الرغم من أهميته دون جدوى مالية حقاً. وبالنسبة للشركات لا يعد هذا الأمر مقبولاً حقاً.

 

للتعامل مع واقع أن المنتجات لا تستمر بتحقيق الربح للأبد، كان على الشركات أن توجد حلاً يضمن أن تستمر العائدات بالتدفق. ولهذه الغاية كان هناك أسلوبان مختلفان مستخدمان في المجال التقني. حيث سعت معظم الشركات في البداية لإطلاق منتجات متتالية مع تحديثات وتطويرات تقنع المستخدمين بالترقية إليها. فيما بات هناك موجة كبيرة في العقود الأخيرة للتحول إلى نموذج عمل مختلف.

 

بدلاً من تطوير وتقديم منتجات جديدة وانتظار الربح منها والذي يأتي بشكل غير موزع تماماً بل على شكل “دورات ربح”، بدأت الشركات التقنية تعمد إلى التحول إلى مجال الخدمات وجعل كل شيء كاشتراك بدلاً من ذلك. والهدف هنا هو إبقاء المستخدمين ضمن بيئة الشركة مع الاستمرار بدفع المال.

 

البرمجيات كخدمة والاشتراكات الدورية

 

لماذا وكيف تحول القطاع التقني من دورات الربح إلى الربح المتواصل

 

إن سألت أي عامل قديم كفاية في مجال التصميم الجرافيكي عن أكثر ما يكرهه اليوم، هناك احتمال كبير لكون دفع اشتراك برمجيات Adobe ضمن القائمة. حيث كانت برمجيات الشركة تأتي كإصدارات متتالية كل عام، ويتم شراؤها مرة واحدة فقط. لكن وبداية من عام 2015 لم يعد ذلك متاحاً، بل أصبح عليك دفع اشتراك مستمر إن أردت استخدام برامج مثل فوتوشوب مثلاً.

 

قاد تغيير أدوبي هذا إلى ارتفاع كبير في عائدات الشركة دون أن يزيد عدد مستخدمي برمجياتها حقاً. وحتى أن الشركة باتت قادرة على توقع عائداتها المستقبلية بشكل أكثر دقة وأن تبني مخططاتها تبعاً لذلك. كما تخلصت الشركة من المستخدمين الذين كانوا يشترون نسخة من إحدى برمجياتها ويستمرون باستخدامها لسنوات عديدة تالية. وبدلاً من الدفع مرة واحدة، بات هؤلاء المستخدمون يدفعون اشتراكاً يتراكم ليصبح أضعاف سعر البرمجية لو اشتروها.

 

بالطبع فشركة أدوبي ليست الوحيدة هنا. حيث سارت مايكروسوفت بشكل مشابه عبر الانتقال من كون برمجيات Office تأتي كل بضعة أعوام إلى نموذج مستمر. ومع أن إصدارات Office الدورية مستمرة، فتركيز الشركة منصب على Office 365 دون شك. كما تعمل الشركة على إضافة المزيد من الخدمات الخاصة لجعل هذا الاشتراك مغرياً اكثر للمستخدمين.

 

في مجال العمل بين الشركات هناك سلوك مشابه أيضاً في الواقع. حيث تحولت معظم شركات برمجيات الأعمال إلى نموذج البرمجيات كخدمة بدلاً من الإصدارات الدورية وانتظار نجاح الإصدار الجديد في كل مرة. وبفضل هذا الأسلوب باتت الشركات تجني مالاً أكثر وتمتلك استقرار موارد مالية لم تكن لتحلم به في السابق.

 

الاعتماد على الإعلانات

 

لماذا وكيف تحول القطاع التقني من دورات الربح إلى الربح المتواصل

 

لا شك بأن كلاً من جوجل وفيس بوك شركتان عملاقتان في المجال التقني مع عشرات المليارات من العائدات كل عام. وتأتي جميع هذه المليارات تقريباً من مصدر واحد: الإعلانات الرقمية على الإنترنت. ولا تعد جوجل وفيس بوك حالات خاصة أبداً هنا، بل تعتمد الكثير من الشركات على الإعلانات كمصدر لتمويلها. وحتى تلك ذات التركيز المختلف تستخدم الإعلانات كمصدر تمويل إضافي في العديد من الحالات أيضاً.

 

حيث تجني مايكروسوفت المليارات من الإعلانات المعروضة عبر LinkedIn ومحرك البحث Bing وحتى نظام ويندوز. فيما تجني ابل الكثير من المال من الإعلانات ضمن متجر تطبيقاتها الشهير App Store وتعمل على توسيع أرباحها من إعلانات المتجر. وحتى شركة أمازون العملاقة في مجال التجارة الإلكترونية تجني المال من الإعلانات في عدة أماكن من متجرها على الإنترنت.

 

بالطبع لا تعد الإعلانات مصدراً مستقراً حقاً للعائدات. حيث هناك دورات نمو وانحدار سنوية، حيث عادة ما تكون نهاية العام مربحة بشدة بالمقارنة مع مطلعه. لكن تبقى الإعلانات خياراً أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ به من إطلاق المنتجات المعتاد. ولو أن التأثير يكون محسوساً بوضوح مع الأحداث الكبرى التي تخيف الناس، وتأثير وباء كوفيد-19 على سوق الإعلانات مثال قوي على ذلك.

 

كل شيء يتجه إلى السحابة

 

لماذا وكيف تحول القطاع التقني من دورات الربح إلى الربح المتواصل

 

الخدمات السحابية هي تجسيد للتحول الذي تسعى إليه الشركات نحو العائدات المستقرة والمتواصلة. حيث نشهد اليوم تحولاً تدريجياً لاعتماد كل شيء على خدمة سحابية ما. وباتت خدمات التخزين السحابي مفضلة لأغراض التخزين الاحتياطي مثلاً، وحتى أن مايكروسوفت قد أعلنت عن “ويندوز 365” مؤخراً كخدمة حاسوب شخصي سحابي لا يحتاج سوى شاشة واتصال بالإنترنت.

 

يمكن ملاحظة الأمر بشدة في عالم الشركات ربما، حيث تحول تسويق الخوادم كما في الماضي إلى تسويق مراكز البيانات الآن. وبدلاً من بيع خادم تستخدمه الشركة لغاياتها، بات التركيز هو بيع اشتراك بخدمة سحابية الآن، وبالتالي ضمان المزيد من العائدات على المدى البعيد والتأكد من كون العائدات مستقرة.

 


مواضيع قد تهمك:


 

الشركات ليست المستفيدة الوحيدة، بل يستفيد بعض المستخدمين أيضاً

 

مما سبق يبدو من الواضح أن الشركات لتقنية تعمل بجد لمحاولة زيادة أرباحها قدر الإمكان على حساب المستخدمين. ولعل أي مستخدم طويل الأمد لبرمجيات أدوبي يتحسر على المال الذي دفعه كاشتراك ويتمنى لو أنه يستطيع الشراء مرة واحدة فقط. لكن هناك بعض النواحي الإيجابية التي لا شك بها في الأمر.

 

ففي حال فكرنا بالمستخدمين المؤقتين، يبدو التحول الحالي لصالحهم إلى حد بعيد. حيث لا داعي لدفع ثمن البرمجية بينما يمكنك الاشتراك كونك لا تحتاجها إلا لوقت قصير مثلاً. كما أن الانتقال إلى بيع خدمات مراكز البيانات السحابية مفيد للشركات الصغيرة والمتوسطة. حيث لا تستطيع هذه الشركات شراء أو تشغيل خوادم خاصة بها، كما أنها لا تستطيع تحمل تكاليف إنشاء أقسام جديدة وتعيين العديد من الموظفين لإدارة خوادمها.

 

في الواقع كانت هذه الفوائد عاملاً أساسياً في تسويق الشركات التقنية لتحولها التدريجي إلى الربح المتواصل والمستمر. حيث تركز الشركات على أنها تسهل الأمور على اللاعبين الأصغر، كما تزيل الحواجز المالية الكبرى أمامهم.