مع كونها تقنية المستقبل، هل القيادة الذاتية آمنة كفاية؟

طوال عقود مضت، لطالما كانت فكرة القيادة الذاتية للسيارات تبدو قريبة كفاية من الواقع لكن محبوسة دائماً بالخيال العلمي في المسلسلات والأفلام، حيث أن الفكرة بحد ذاتها مغرية للغاية من حيث الحرية التي تتيحها، كما أنها ممكنة علمياً دون شك على عكس العديد من أفكار الخيال العلمي التي تتناقض مع الواقع.

 

اليوم لم تعد القيادة الذاتية أمراً من الخيال حقاً، بل أن العديد من السيارات باتت تتضمن تقنيات قيادة ذاتية محدودة، والعديد من الشركات تتسابق لتكون أول من يطلق سيارة مع قيادة ذاتية كاملة (من المستوى الخامس) بحيث يصبح وجود سائق في السيارة اختيارياً حتى.

 

لكن وبينما نسير بخطوات واثقة نحو مستقبل يتضمن القيادة الذاتية أكثر وأكثر، ربما يجب أن نتوقف لوهلة لننظر إلى التأثيرات التي من الممكن أن تتركها هكذا تقنية على حياتنا، وهل سيحسن وجودها من أمان الطرقات والسير أم لا؟

 

في هذا الموضوع سننظر من الجانبين المتناقضين للقضية، حيث أن هناك فوائد كبرى لا شك بها، وبالمقابل ثغرات قد تجعل الأمر مقلقاً للغاية في المستقبل. لذا سنقوم بتلخيص كل من طرفي القضية مع ترك الحسم بالأمر لرأي كل على حدة.

 

كيف يمكن للقيادة الذاتية أن تفيد من حيث أمان الطرق؟

 

مع كونها تقنية المستقبل، هل القيادة الذاتية آمنة كفاية؟

 

وفقاً لإدارة سلامة الطرق والمواصلات الأمريكية، فحوالي 94% من الحوادث في الولايات المتحدة ناتجة عن أخطاء بشرية، أي أن حالات الفشل الميكانيكي والتقني تشكل حوالي 6% من الحوادث فقط. ومع أن هذه النسب قد تكون مختلفة بشكل كبير من بلد لآخر، فمن المعروف أن الأخطاء البشرية هي العامل الأساسي في الحوادث المرورية دون شك.

 

من هذا المبدأ تظهر فائدة كبرى لتقنيات القيادة الذاتية: إلغاء العامل البشري تماماً من المعادلة، وبالتالي سيكون هناك سائقون ثملون أو تحت تأثير أدوية أو حتى مخدرات بشكل أقل على الطرقات، وحتى من منظور الأخطاء البشرية المعتادة كالانشغال عن الطريق بالهاتف الذكي مثلاً فالأتمتة تقدم قضية مقنعة بشدة من حيث الأمن: إن كانت المشكلة بشرية بالدرجة الأولى، فإخراج العامل البشري هو حل منطقي دون شك.

 

بالإضافة للتخلص من المشاكل الناتجة عن الأخطاء البشرية المباشرة، فمن الممكن للقيادة الذاتية أن تفيد بشكل غير مباشر أيضاً، حيث أن السيارات المؤتمتة لديها القدرة على التنظيم معاً للوصول إلى غاياتها بأسرع وقت ومن أقصر طرق ممكنة، ونتيجة التنظيم المشترك لها من الممكن أن يتم تخفيض الازدحام والاختناقات المرورية بشكل هائل، وهذا بدوره عامل أساسي في تقليل احتمال وجود الحوادث المرورية أصلاً كما يقلل من الخلافات ومشاكل “غضب الطريق” التي تظهر كل حين.

 

كميزة أخيرة: أنظمة القيادة الذاتية كاملة الالتزام بالقوانين وقواعد السير، أي أنها لا تتجاوز الإشارات الحمراء ولا تعبر التقاطعات بشكل مفاجئ ولا تمر فوق ممرات المشاة دون اكتراث وبسرعات أعلى من الحدود العليا، وهذا الأمر مهم للغاية كون هذه القواعد موجودة لسبب: زيادة أمان الطرقات وبالأخص للمشاة، وبينما هناك الكثير من السائقين الذين يتجاهلون قواعد الأمان تماماً فأنظمة القيادة الذاتية قصة مختلفة، وتبنيها أفضل للمشاة دون شك.

 


مواضيع قد تهمك:


 

ما هي التهديدات التي قد تأتي من اعتماد القيادة الذاتية؟

 

مع كونها تقنية المستقبل، هل القيادة الذاتية آمنة كفاية؟

 

المشكلة الأساسية التي تخطر ببال الجميع ربما هي مدى ثقتنا بقدرة أنظمة القيادة الذاتية على التعرف على محيطها، حيث أن الذكاء الاصطناعي وقدرة الحواسيب على تمييز عناصر الطبيعة قد تحسنت بشكل هائل دون شك، فهي لا تزال غير مثالية ولا يمكن الحكم بمقدار المخاطرة التي نتخذها بالاعتماد على هذه الأنظمة بدلاً من القيادة التقليدية.

 

حالياً تظهر العديد من الدراسات أن أنظمة القيادة الذاتية المتاحة اليوم أفضل بكثير من السائقين البشر من حيث تجنب الحوادث. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، حيث أننا اعتدنا الأخطاء البشرية، فيما أن أخطاء الآلة لا تزال جديدة علينا، ومع كل حادث مروري ينتج عن فشل في أنظمة القيادة الذاتية سيكون هناك الكثير من الجدل وبالأخص من قبل السائقين المسؤولين الذين عادة ما يشكلون النسبة الأكبر ولا يتسببون بالحوادث المرورية.

 

الجانب المخيف أكثر حتى ربما، هو أن اعتماد السيارات وتوجيهها على الحوسبة فقط يعني أنها ستصبح معرضة لنوع جديد من المخاطر: الهجمات الإلكترونية. حيث أن الاختراقات الأمنية شائعة منذ الآن في العديد من المجالات، وقد شاهدنا في عدة حالات التأثيرات المدمرة التي يمكن أن تنتجها برمجية خبيثة واحدة فقط، لكن ماذا لو بات الأمر على نطاق أوسع يستهدف السيارات؟ هنا يتحول الخطر الرقمي إلى خطر حقيقي مباشر يهدد الحياة.

 

عبر السنوات التالية سيكون هذا الأمر هو التحدي الأكبر الذي يواجه مصممي أنظمة القيادة الذاتية: كيف تصمم نظاماً عصياً على الاختراق، وكيف تقنع زبائنك بأنه كذلك؟ والأرجح أن المخاوف من هذه الناحية بالتحديد ستعني أن القيادة التقليدية لن تختفي في أي وقت قريب، وبدلاً من الشكل التخيلي لسيارة ذاتية القيادة دون مقود ودواسات حتى، فالأرجح أن مستقبل القيادة الذاتية هو خيار جانبي إضافي لما هو معتمد أصلاً.