من تبنى، وسع، أقتل إلى انسخ، استحوذ، اقتل كيف تعزز عمالقة التقنية من احتكارها لمجالاتها

بالنظر إلى الحجم الهائل للشركات التقنية اليوم، يبدو من الواضح أن هذه الشركات تمتلك تأثيراً هائلاً في مجالاتها الخاصة دون قدرة منافسيها على تقليل وجودها ودون الكثير من المجال لشركات جديدة تحقق نفس مستوى النجاح. وبالطبع فهذه الشركات الكبرى راضية عن الواقع الذي يفضلها ويمنحها موقفاً أفضل للبقاء في مكان الهيمنة والتوسع المستمر، لكن بالنسبة للكثير من الأشخاص يبدو الوضع الحالي مقلقاً للغاية من منظور أساسي: الاحتكار.

 

الاحتكار هو قدرة شركة أو جهة ما على التحكم بمجال أو قطاع ما بشكل كامل أو شبه كامل، سواء كان الأمر مباشراً كامتلاك كل الشركات والجهات التي تعمل في قطاع معين، أو بشكل غير مباشر عبر امتلاك حصة كبيرة كفاية تسمح بإرغام الشركات الأخرى على السير كما تفضل الشركة المحتكرة.

 

بالطبع فالاحتكار ليس أمراً محبوباً لأحد، فالمستخدمون يكرهونه كونه يقلل الإبداع ويقتل الابتكار والخيارات ويترك للمحتكرين حرية التحكم بالأسعار ورفعها عند الرغبة دون اكتراث لحال السوق، وبالطبع فقد قاد الكره الشعبي للاحتكار إلى العديد من التشريعات المعادية له حول العالم، حيث تم إرغام تفكك العديد من الشركات المحتكرة وبالأخص في مطلع القرن العشرين عندما بدأ الأمر يصلح مشكلة أكبر.

 

الاحتكار في العالم الرقمي له شكل مختلف

 

من تبنى، وسع، أقتل إلى انسخ، استحوذ، اقتل كيف تعزز عمالقة التقنية من احتكارها لمجالاتها

 

في المجالات التقليدية من الممكن تمييز الاحتكار بشكل واضح وبسيط نسبياً، حيث أن وجود شركة وحيدة تسيطر على صناعة الألبسة وحدها، أو شركة واحدة تمتلك جميع حقول النفط أو سفن النقل أو سواها يعني أن هناك احتكاراً من نوع ما. لكن في المجال التقني تصبح الخطوط غير واضحة كون الاحتكارات التقليدية ليست ممكنة هنا حقاً، وتعريف السيطرة على القطاعات ليست واضحة حقاً ويمكن أن يعتمد الأمر على الرأي بشكل كبير.

 

لتوضيح الأمر يمكن النظر إلى مواضيع جدلية حالياً، وأفضلها ربما هو متاجر التطبيقات على الهواتف الذكية. حيث أن متجر App Store يكتلك احتكاراً لتثبيت التطبيقات على هواتف أيفون وأجهزة أيباد اللوحية مثلاً، وهو يرغم التطبيقات والألعاب ضمنه على استخدام طريقته للدفع حصراً ويقتطع من المدفوعات نسبة تتراوح بين 15 حتى 30%.

 

بالنسبة للكثيرين فما يحدث في متجر App Store هو احتكار مع كون مطوري التطبيقات لا يمتلكون أي خيار سوى خسارة جزء كبير من مبيعاتهم والحاجة للتنافس مع تطبيقات تقدم ميزات مشابهة تطورها Apple ولا تتعرض لنفس الضغط المالي. لكن من الناحية الأخرى، يرى الكثيرون أن ما تفعله Apple أو Google أو سواها على منصتها الخاصة هو حريتها تماماً ومن لا يعجبه ذلك يمكنه الانتقال إلى منصة أخرى مثلاً ولا أحد يمنعه من ذلك.

 

على العموم قد لا نصل إلى تعريف محدد للاحتكار التقني في السنوات التالية، لكننا نستطيع وصف الأمر بأنه سياسات معادية للمنافسة على الأقل، وهنا سنتناول طريقتين أساسيتين استخدمتا في العالم التقني لخنق المنافسة وتسببتا بالكثير من الجدل وحتى تدخلات تشريعية وحكومية.

 

“تبنى، وسع، اقتل”

 

من تبنى، وسع، أقتل إلى انسخ، استحوذ، اقتل كيف تعزز عمالقة التقنية من احتكارها لمجالاتها

 

ظهرت هذه العبارة خلال المحاكمات والتحقيقات الحكومية الكبرى مع شركة مايكروسوفت خلال نهاية التسعينيات ومطلع الألفية. حيث كانت الشركة تواجه الكثير من الانتقادات والتحقيقات حول نشاطها الاحتكاري والمعادي للمنافسة على العديد من الصعد. ولعل أفضل مثال للأمر هو أنها كانت تستغل مركزها كالمسيطرة على مجال أنظمة الحواسيب وتمنع الشركات من صنع حواسيب تعمل بأنظمة أخرى عبر سحب رخص ويندوز من أي شركة تنتج حواسيباً مع توزيعات لينوكس على سبيل المثال.

خلال التحقيقات ظهر أن عبارة “تبنى، وسع، اقتل”، أو كما تقال بالإنجليزية: “embrace, extend, extinguish” كانت متداولة بكثرة ضمن الشركة. وكانت متبناة من قبلها خلال تلك الفترة. وكان المبدأ بسيطاً لكنه شديد الفعالية عند الدخول إلى مجال جديد مثلاً. حيث كان الأمر يسير كما التالي:

  • تبنى معياراً واسع الانتشار وهو الأساسي في المجال الجديد الذي تدخل إليه.
  • قم بتوسيع المعيار المستخدم على نطاق واسع وتحسينه لكن عبر إضافة أدوات مغلقة المصدر وحصرية لك فقك.
  • اقتل المنافسين عبر جعل الطريقة الوحيدة للاستفادة من التحسينات التي تقدمها هي عبر استخدام منتجاتك فقط.

 

في الواقع قامت مايكروسوفت بالأمر بشكل فعال للغاية في عدة مجالات مختلفة، حيث تتضمن بعض من أبرز الأمثلة أموراً مثل:

 

  • حرب المتصفحات في التسعينيات والتي انتهت بسيطرة إنترنت إكسبلورر وقتل المنافسين.
  • محاولة حصر صيغ المستندات المكتبية ببرمجيات الشركة بالدرجة الأولى ومنع المنافسين من القدرة على تشغيلها.
  • إلغاء دعم إطارات عمل وتقديم بدائل خاصة بها لمنع تشغيل تطبيقات Java المصممة لنظام ويندوز من العمل على الأنظمة الأخرى.

 

حالياً باتت مختلف هذه الممارسات من الماضي في الواقع، حيث لم تعد الشركة تستخدم هذه الأساليب وحتى أن سمعتها تغيرت بشكل كبير بين المطورين، لكن هذا لا يمنع كون سياسة تبنى، وسع اقتل قد تركت أثرها في العديد من الشركات الكبرى اليوم والتي باتت تتبنى هذه الممارسات أو استراتيجيات قريبة كفاية منها للأمر.

 

“انسخ، استحوذ، اقتل”

 

من تبنى، وسع، أقتل إلى انسخ، استحوذ، اقتل كيف تعزز عمالقة التقنية من احتكارها لمجالاتها

 

باتت هذه الاستراتيجية أساس عمل عدة شركات تقنية اليوم ومحور الكثير من الجدل في الواقع. حيث أن كلاً من أبل وفيس بوك وجوجل وغيرها متهمة بالقيام بها بدرجة ما على الأقل. ومع أنها ليست مطابقة لأسلوب مايكروسوفت القديم، فهي قريبة كفاية. وتمتلك نفس الغاية النهائية التي تقتل المنافسين الصغار بالدرجة الأولى.

 

تعتمد هذه الاستراتيجية على استنساخ ميزات الشركات الصغيرة المنافسة. ومن ثم الضغط عليها لشرائها وبعدها قتلها عبر امتصاصها بشكل كامل. وتحويل منتجاتها إلى منتجات من الشركة الكبيرة بتغيير علامتها التجارية. أو حتى إنهاء خدماتها أو جعلها محدودة بدلاً من أن تكون متاحة للجميع.

 

حالياً هناك العديد من الأمثلة المتاحة للأمر في الواقع، ولعل أوضحها هي استحواذات أبل على التطبيقات والخدمات. مثل الاستحواذ على تطبيق الطقس المحبوب Dark Skies وتطبيق التعرف على الموسيقى Shazam. وفي الحالتين سرعان ما قتلت الشركة إصدارات أندرويد من هذه التطبيقات وجعلتها حصرية لأجهزتها فقط.

 

مثال آخر ربما هو ما قامت به فيس بوك مع سناب شات، حيث حاولت فيس بوك شراء منافستها عندما كانت لا تزال يافعة للغاية، وبعد فشل الاستحواذ عليها مراراً قامت الشركة باستنساخ ميزتها الأساسية: القصص ووضعها في كل مكان يخطر بالبال على فيس بوك ومسنجر وإنستجرام وواتس أب. كانت النتيجة قتل نمو سناب شات إلى حد بعيد ولو أن فيس بوك لم تنجح بالتخلص منه كمنافس تماماً.

 


مواضيع قد تهمك:


 

التغيير الذي قد يأتي قريباً

 

من تبنى، وسع، أقتل إلى انسخ، استحوذ، اقتل كيف تعزز عمالقة التقنية من احتكارها لمجالاتها

 

في مطلع الألفية تعرضت شركة مايكروسوفت لموجة تحقيقات حكومية كبرى وجلسات استماع متتالية في الولايات المتحدة للتحقيق بممارساتها، وبعد سنوات من الأخذ والرد أرغمت الشركة على ترك استراتيجيتها القديمة والانفتاح بشكل أكبر بكثير تجاه المنافسة وعدم محاولة الاحتكار.

 

الآن نلاحظ مساراً مشابهاً من حيث المبدأ للشركات التقنية التي تمارس استراتيجية “انسخ، استحوذ، اقتل” حيث هناك تحقيقات كبرى بخصوص ممارساتها في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومع أن الأمور ليست مثمرة بالكامل حالياً، فقد حصلت غرامات تاريخية بمليارات الدولارات عبر السنوات الأخيرة، كما أن المفوضية الأوروبية قالت مؤخراً أنها تتهم Apple بالممارسات الاحتكارية في متجر تطبيقاتها مما قد يساهم بتغيير الأمور بشكل ملحوظ في الفترة القادمة.