تعدين أعماق البحار لمواد البطاريات يشكّل خطراً كبيراً

لا تزال المحاولات مستمرةً لحماية أعماق البحار والمحيطات بالتزامن مع محاولات التعدين التي تتطلّع إلى استخراج المعادن مثل النيكل، والكوبالت، والنحاس من قاع المحيط، بسبب ارتفاع الحاجة إلى الأدوات والبطاريات اليوميّة.

 

يشكلّ التعدين خطراً على أعماق البحار، ليس لأنّها تؤدي إلى تجريف قاع البحر وحسب، ولكنْ – حسب ورقة بحث علميّ  نُشرت في مجلة العلوم “Science”- فإنّها تنتج الضوضاء التي تؤثر سلباً على الحياة البحريّة حتى على بعد مئات الكيلومترات.

 

لطالما تحدّث الناس عن تنقيب المعادن في أعماق البحار في المستقبل، ويبدو أنّ هذا المستقبل بات قريباً، إذ يُتوقَع أن تبدأ عمليات التنقيب الأولى لمداهمة العقيدات المتعددة المعادن لهذه الموارد في قاع المحيط في وقت قريب جداً من العام المقبل.

 

*العُقيدات: تكتلات تشبه الصخور السوداء في قاع البحر تحتوي على معادن يتم البحث عنها بشكل متزايد لصنع بطاريات السيارات الكهربائية.

 

كيف تهدد الضوضاء محيطاتنا

 

تكون الضوضاء مساويةً أو حتى أعلى من حفلة لموسيقى الروك على بعد 6 كم من المنجم، يتجاوز هذا الحدّ 120 ديسيبل، وهو الحدّ الأعلى المسموح الذي يؤثر تجاوزه سلباً على سلوك الثديات البحرية “بحسب أقوال خدمة مصائد الأسماك البحرية الوطنية الأمريكيّة”.

 

تنتقل الضوضاء لمسافة تصل إلى 500 كم، وعلى الرغم من أنّها تضعف كلّما زادت المسافة، إلّا أنّها تبقى أعلى من مستويات الضوضاء المسموحة في الظروف الطبيعيّة.

 

المفاجأة تكمن في المدى الذي يستمر فيه تجاوز مستويات الضوضاء، يقول “كريج سميث” أستاذ علم المحيطات في جامعة هاواي  وأحد مؤلفي الورقة – المذكورة سابقا في المقال – : “من المتوقع أن يتم إنتاج هذه الضوضاء على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لسنوات أو ربما حتى عقود”، وهو ما يجعل الأمر يزداد سوءاً.

 

تختلف الضوضاء التي يصدرها التعدين عن الضوضاء في الموانئ المزدحمة، حيث تكون الأخيرة غالباً على سطح الماء، بينما يخترق التعدين طريقاً في البحر يصل إلى أسفل قاعه.

 

ونتيجة لصدور الضوضاء عن الجرافات والمضخات التي تجلب العقيدات والرواسب إلى السطح، بالإضافة إلى الضوضاء الصادرة عن السفن الموجودة في الأعلى، قد تواجه الحيتان والحيوانات البحريّة الأخرى التي تمرّ عبر المنطقة نفسها صعوبة في التواصل، وقد تقّرر تجنب هذه المناطق تماماً، فتهاجر.

 

وعلى الرغم من ذلك، فلم يصل الباحثون إلى التأثير الدقيق للضوضاء الناتجة عن التعدين على الحياة البحريّة، ويكمن الجزء الأكبر من المشكلة في عدم معرفة العلماء ما يكفي عن الحياة في قاع المحيط، إذ يقول سميث بأنّ الغالبية العظمى من الكائنات التي يحضرها الباحثون من رحلاتهم الاستكشافية في هذه الأعماق – 4000 متر وأكثر، هي مخلوقات جديدة تماماً على العلم.

 

من الأمثلة على الكائنات البحرية في الأعماق السحيقة: القشريات، والديدان، والرخويات، وشقائق النعمان، وغيرها.

 

تمتلك المخلوقات التي تستقر في هذه الأعماق أنظمة حسيّة تعتمد فيها على الاهتزازات أو الضوضاء لتجنب الحيوانات المفترسة أو العثور على رفقاء، أو العثور على فريسة، إذ تستخدم هذه الأنظمة الحسيّة عِوضاً عن حاسة البصر التي يتعذر عليها استخدامها بسبب غياب الضوء في هذه الأعماق.

 

العلماء متخوفون من بدء التعدين دون الفهم الدقيق لخطره على البحار

 

بما أنّ التعدين لم يبدأ فعلياً، فلم يتمكن سميث وزملاؤه من أخذ ملاحظات دقيقة من تجربة فعليّة، لذلك وضعوا تنبؤات بناء على النماذج، وقد ركزا على منطقة كلاريون كليبرتون الواقعة بين هاواي والمكسيك، والتي يُتوّقع أن تكون نقطة ساخنة للتعدين في المستقبل القريب، نظراً لتمتّعها بثروة من العقيدات المتعددة المعادن.

 

أعلنت دولة الجزيرة الصغيرة ناورو عن خطط لتمويل التنقيب في منطقة كلاريون كليبرتون في العام السابق، هذا ما أدى إلى وضع بند في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يطالب السلطة الدولية لقاع البحار بصياغة أنظمة جديدة لتعدين العقيدات في منتصف العام القادم، منذ ذلك الحين حاول العلماء منع عمليات التعدين حتى يتكوّن لديهم فهم أفضل لتأثير التعدين على البيئة المحيطة.

 

وفي الأسبوع الماضي، دعا قادة بعض الدول الجزرية مثل بالاو وفيجي وساموا إلى وقف التعدين في أعماق البحار، وحذروا من أنّ التسرّع في بدء التعدين دون فهم جيّد للمخاطر، قد يقضي حتى على الأنواع المهمة بيئياً قبل أن يتم اكتشافها.

 

يطلب سميث وزملاؤه أيضًا من مقاولي التعدين نشرَ المزيد من البيانات حول الصوت من معدات التعدين الخاصة بهم، وتقول ورقة البحث العلميّة : “إن المضي قدمًا خلال العام المقبل بدون شفافية البيانات والمعايير الصارمة والمبادئ التوجيهية المعمول بها سيمثل بداية تجربة واسعة النطاق وغير خاضعة للرقابة”.