ما لم نرد أن نتوقعه من الحواسيب الكمية، سيحصل في فترة أقل من 8 سنوات!

بدأت الحوسبة الكمومية بالانتشار شيئاً فشيء، ومع أن تطبيقاتها لا تزال نادرة جداً ومصطلح ميكانيكا الكم استغرق حوالي 20 عاماً ليصبح مألوفا لدى المجتمعات، فإن المجال يُفسح للتقنيات الجديدة، وقد بدأ بالفعل سباق الحوسبة الكمية. لكن ما لم نكن نتوقعه هو أن الحواسيب الكمية قد تخل بأمننا السيبراني الذي بذلنا جهداً كبيراً لبنائه حتى الآن.

 

اليوم، تحرز شركات مثل جوجل وIBM تقدماً ملحوظاً في الحوسبة الكمية وتتفاخر بحيازتها على حاسوب كمي التي تعد من الأسرع في العالم، كما يتم رسم خطط مستقبلية دقيقة للحوسبة الكمية مع تطوير حواسيب أسرع وأقوى كل يوم.

 

الفرق بين الحوسبة الكمية والحوسبة التقليدية

 

لا يمكن اعتبار الحوسبة الكمية ثورة في الحوسبة بالتحديد، فالحقيقة هي أن الحواسيب التقليدية والحواسيب الكمية تختلف كثيراً عن بعضها. تشبه المقارنة بينها مقارنة الدراجة بالسيارة؛ فكلتاهما ستنقلك إلى المكان الذي تريده، ولكن التقنية التي تشغلهما مختلفة جداً.

 

حتى أن الفرق بين الحوسبة التقليدية والحوسبة الكمية أوضح وأكثر تميزاً، فإذا عدت إلى أساس الحوسبة التقليدية، سترى مجموعة من الرموز الثنائية (0/1)؛ فكل عملية ترجع إلى نفس الرمزين، وتكون نتائج جميع العمليات إما 0 أو 1 دائماً.

 

أما الحوسبة الكمية تستخدم وحدات الـَQubit، وتحدث عملياتها على نطاق أصغر. وفي حين أن وحدة الـQubit يمكن أن تمثل قيمة 0 أو 1، يمكنها أيضاً أن تمثل قيمة هي نسبة بين القيمتين ولا تعطي نتيجة إلا عند مراقبتها.

 

للتوضيح، تخيل أن الـQubit بندول يتأرجح إلى اليسار واليمين. الجانب الأيسر هو 0، والجانب الأيمن هو 1. لن يبقى البندول في أي وضع لفترة طويلة، وسوف يتأرجح باستمرار بين الجانبين. كما يتأرجح الـQubit ويغير قيمته بسرعة كبيرة. وهذا بالضبط ما يجعل الحواسيب الكمية أسرع؛ فالسرعات التي تتحرك بها الوحدات قادرة على تشغيل كمية لامتناهية من العمليات في فترة زمنية قصيرة.

 

بطبيعة الحال، هناك اختلافات أكبر بين الحاسوب التقليدي والحاسوب الكمي، حيث تحتاج الحواسيب الكمية التواجد في درجات حرارة قريبة من الصفر للعمل بشكل صحيح، وهي تعتمد على برمجيات وتكنولوجيا معقدة، ولكنها ضرورية لاستيعاب حل المشكلات السريع جداً.

 

وكما أظهر حاسوب جوجل الكمي في عام 2019، يمكن للحواسيب الكمية أن تحل مشاكل معينة في وقت قصير للغاية، لكن هذه القدرات لها سلبياتها أيضا، والأمن السيبراني هو بالضبط مكان ظهور مخاطر الحوسبة الكمية.

 

مخاطر الحوسبة الكمية

 

يظهر موقع تحالف أمن الحوسبة السحابية عداً تنازلياً حتى اليوم الذي ستكسر فيه الحواسيب الكمية البنية التحتية للأمن السيبراني، على الأقل البنية التي نعرفها اليوم. وهذا المتوقع حدوثه بعد حوالي سبع سنوات وأكثر من 200 يوم وفقاً للعد التنازلي.

 

والسبب وراء كون الحوسبة الكمية خطيرة للغاية هو أنه – نظرياً – الحواسيب الكمية قادرة على فك تشفير خوارزمية RSA (طريقة التشفير القياسية لإرسال البيانات المهمة عبر الإنترنت) بمفتاح 2048 بت في أقل من 8 ساعات فقط، الأمر الذي يستطيع فعله حاسوب فائق عادي في 300 تريليون سنة.

 

وهكذا، يبدأ سباق التسلح. فروسيا، والهند، واليابان، والاتحاد الأوروبي، وأستراليا جميعها تجري كمية كبيرة من الأبحاث حول الحوسبة الكمية، وتشهد جهود تطوير الحواسيب الكمية في الولايات المتحدة والصين التقدم الأسرع، حيث تتسابق الدولتان للتفوق والحصول على سجلات وأسرار الدولة الخصم، فمن لديه قوة معالجة أكثر سيتمكن من التغلب على خصومه أكثر.

 

وفي المكان التي تخلق فيه الحوسبة الكمية مشكلة، فهي تخلق حلاً بالمقابل – وهذا الحل هو التشفير الكمي الذي يطبق مبادئ ميكانيكا الكم، والغرض منه ليس فك التشفير، بل بناؤه.

 

الميزة الأكبر في التشفير الكمي هي أنك لا تحتاج إلى جهاز حاسوب كمي لبنائه؛ فهو يستخدم تقنية فوتونية لنقل البيانات من نقطة إلى أخرى. هذه التقنية بحد ذاتها معقدة إلى حد ما، ولكنها تتمتع بميزة بارزة؛ وهي أن أي دخيل متنصت على البيانات لا يمكنه قراءتها أو إرسالها أو نسخها دون تغيير حالة الفوتون (أو الجزيء) الذي يحملها، وإذا حاول ذلك فسيتلاشى الفوتون بالكامل.

 

يعد التشفير الكمي بأنه غير قابل للاختراق أو الفك، وسواء كان قادراً على الوفاء بهذا الوعد أم لا، فمن الواضح أن التشفير الكمي هو مستقبل التشفير. فإذا سببت الحوسبة الكمية مشكلة ما، سيحلها التشفير الكمي.

 

لكن هذا لا يعني أن الحوسبة الكمية سيئة بهذه البساطة، فيمكن أن يكون لتطبيقات الحوسبة الكمية تأثير أكثر إيجابية؛ فهي قادرة على الارتقاء بالملاحة تحت الماء، والمساعدة في مراقبة حركة البيانات. فعندما نفهم سلوكيات الجزيئات بشكل أفضل، يمكننا أن نمهد الطريق لتحسينات كبيرة في قطاع الطب أيضاً.

 

النقل الكمي عن بعد

 

ثم هناك بعض التطبيقات العملية للحوسبة الكمية التي قد تبدو من عالم الخيال مثل النقل الكمي عن بعد. ولكن لم تطبق هذه التقنية على البشر بعد وستعمل على نطاق أصغر بكثير؛ ألا وهو نقل البيانات.

 

يعتمد النقل الكمي على خاصية أخرى للـQubits تسمى التشابك الكمي. حيث يمكن لجزيئين أن يترابطا عبر الزمكان، وإذا تغير أحدهما، فالآخر يمكن أن يتغير أيضاً. ووفقاً لحلف شمال الأطلسي، فإن أكبر مسافة حققها النقل الكمي في الوقت الحالي هي 50 كيلومتراً، كما صرّح حلف شمال الأطلسي أن الهدف الرئيسي من الاتصالات الكمية هو إنشاء “الإنترنت الكمي” – وهو أداة اتصالات كمية آمنة للغاية مدعومة بقوانين الفيزياء الكمية.