هل يمكن عزل بلد ما عن الإنترنت في حالة حرب أو نتيجة أعمال تخريبية؟

عندما بدأت تقنيات الاتصال بالظهور في القرن التاسع عشر مع التلجراف والهواتف السلكية والراديو وسواها، كانت الشبكات المتاحة للتواصل محلية للغاية في الواقع، حيث كانت كل منطقة تمتلك شبكتها الخاصة المعزولة عن البقية، ومع الوقت بدأ وصل هذه الشبكات معاً لكنها بقيت مقيدة بحدود بلدانها معظم الوقت. لكن في عالم اليوم لم تعد الأمور كذلك بل باتت مختلف الشبكات العالمية متصلة معاً ضمن كيان موحد هو الإنترنت الذي يعرفه ويستخدمه المليارات في كل مكان.

 

لكن السؤال الذي يتبادر في الأذهان هو مقدار كون شبكات اليوم عالمية حقاً؟ فحتى مع كل التغييرات التي حصلت على هيكلة الشبكات حول العالم فلا زلنا نستخدم ومن حيث المبدأ شبكات محلية موصولة معاً باستخدام كوابل عالية السرعة لنقل البيانات بين المناطق والبلدان وعبر المحيطات والبحار. وهذا الواقع يعطي مجالاً لسؤال هام جداً.

 

بينما كنت أتصفح موقع Reddit يوم أمس، لاحظت السؤال التالي:

 

إن كانت الإنترنت معتمدة بشكل أساسي على الكوابل التي تمر عبر المحيطات لتصل البلدان والقارات ببعضها. هل من الممكن لأحد أن يمنع وصول بلد ما إلى الإنترنت في حالة الحرب؟ وهل هناك أي طرق احتياطية لتجنب حدوث أمر كهذا؟ وما الذي سيحدث في حال قطعت الكوابل؟

 

لذا وفي هذا الموضوع سأحاول توضيح إجابة هذا السؤال، وفي سياق الإجابة عليه يمكن شرح بعض الأفكار الأساسية عن شبكة الإنترنت وآلية عملها أيضاً.

 

هل يمكن عزل بلد ما عن الوصول إلى الإنترنت؟

 

هل يمكن عزل بلد ما عن الإنترنت في حالة حرب أو نتيجة أعمال تخريبية؟

 

كما ذكر في السؤال الأصلي، تتم الاتصالات بين الشبكات المحلية للبلدان المختلفة عبر كوابل دولية متعددة في الواقع، لكن هذه الكوابل ليست بحرية بالضرورة، بل أن الكثير منها يمر عبر اليابسة ببساطة كما أن عددها كبير عادة وليست مجرد بضعة حزم من الكوابل فقط.

 

من حيث المبدأ من الممكن أن يتم عزل أي دولة عن الإنترنت في حال اتفقت الدول المجاورة على إيقاف الشبكات المشتركة معها وكانت هذه الدولة محبوسة أرضياً دون حدود بحرية. وفي حال كانت الدولة جزيرة مثل المملكة المتحدة أو جزر الباهاما أو البحرين، سيكون من الممكن عزلها بشكل شبه كامل عن الإنترنت بتخريب الكوابل البحرية التي تصلها مع بقية العالم.

 

لكن قابلية حدوث الأمر “من حيث المبدأ” لا تعني أنه أمر قابل للتطبيق في الواقع ببساطة، فأي تصرف من نوع محاولة عزل دولة مستقلة عن الإنترنت سيقابل بمعارضة دولية كبرى ستردع أي طرف عن القيام بالأمر، كما أن اتفاق جميع البلدان المجاورة لدولة ما على عزلها عن العالم أمر صعب الحدوث للغاية، وحتى في حال حدوثه هناك دائماً طريق إضافي: الأقمار الصناعية.

 

فمع أن الكوابل عالية السرعة هي الطريقة المفضلة لتبادل البيانات والوصول إلى الإنترنت اليوم، فمن الممكن الوصول إلى الإنترنت والتواصل عبر الأقمار الصناعية في الواقع، ومع أن الأمر لا يزال محدوداً للغاية اليوم (باستثناء مشروع ستار لينك الطموح) فهو لا يزال قادراً على كسر أي عزل ممكن للإنترنت على أي بلد.

 

ماذا سيحدث في حال قطعت بعض الكوابل وليس جميعها؟

 

هل يمكن عزل بلد ما عن الإنترنت في حالة حرب أو نتيجة أعمال تخريبية؟

 

لنفرض جدلاً أن بلداً ما يقوم بوصل شبكاته المحلية مع الشبكة العالمية عبر 10 كوابل مختلفة فقط، وتم لسبب قطع 8 من هذه الكوابل، سواء من قبل دولة معادية أو نتيجة كارثة طبيعية ما، ما الذي سيحدث هنا؟ هل سيفقد 80% من سكان البلاد وصولهم إلى الإنترنت؟

 

جواب الأمر هنا بسيط في الواقع إن فكرت بالكوابل التي تصل البلدان مع بعضها البعض على أنها طرق دولية كبرى لعبور السيارات والشاحنات، فيما هناك طرق فرعية تصل المناطق القريبة من بعضها وتوصل أخيراً إلى الطرق الدولية.

 

في حال انقطع طريق دولي كبير فهذا لا يعني أن كامل النقل البري الدولي سيتوقف لبلد ما، بل سيكون الخيار هو اتباع الطرق الفرعية باتجاه مختلف نحو طريق دولي آخر ومن ثم استخدامه للوصول إلى شبكة الطرق العالمية. لكن بالطبع هذا لا يعني أن الأمور ستستمر بالسير بسلاسة، حيث سيحتاج قطع الطرق الفرعية الإضافية السير عبر مسافة أطول مما يعني تأخيراً أكبر، كما سيكون علك التنافس مع السيارات الأخرى التي تتبع الطريق البديل أصلاً وتلك التي انتقلت لاستخدامه كخيار بديل.

 

بالمحصلة سيصبح اتصال الإنترنت للجميع أبطأ وأسوأ جودة بشكل ملحوظ عند فقدان نسبة كبيرة من الوصلات الدولية مع العالم الخارجي، لكن لن يفقد المستخدمون وصولهم إلى الشبكة العالمية طالما أن هناك ممراً وحيداً متاحاً على الأقل.

 

تتكون شبكة الإنترنت اليوم من عدد كبير من الكوابل التي يصعب تعقبها جميعاً من جهة، كما أن الدولية منها إما مدفونة تحت الأرض أو تمر في أعماق البحار والمحيطات، وبالنتيجة سيكون استهدافها ومحاولة قطعها جميعاً لعزل بلد ما عن الإنترنت عملية معقدة وصعبة للغاية لوجستياً، ولو أن الأمر يبقى إمكانية نظرياً على الأقل.