لماذا فشلت شركة Intel في مجال معالجات الهواتف الذكية؟

لنفترض أن العام هو 2007، وأخبرك أحدهم أن مجال الهواتف الذكية سينفجر بشكل هائل مع مبيعات بمئات الملايين في السنوات التالية، على من كنت لتراهن للنجاح بصنع معالجات هذه الهواتف؟ الجواب الصحيح معروف اليوم، وهو شركة ARM وتصميماتها التي سيطرت على مجال الهواتف الذكية بشكل كامل اليوم. لكن قبل أن تحدث هذه الثورة الهائلة كان الاحتمال المرجح في الواقع هو شركة Intel العملاقة في مجال المعالجات الحاسوبية.

 

عندما بدأت الهواتف الذكية بالانتشار كانت شركة Intel تمتلك حصة هائلة من سوق الحواسيب ككل، وكانت المرشح الأفضل للتمدد إلى العديد من المجالات الجديدة الأخرى بسبب خبرتها الطويلة وقدراتها التصنيعية الكبيرة. لكن السنوات مرت دون أن تقدم الشركة أية منافسة حقيقية، وعندما قامت بمحاولتها لدخول سوق معالجات الهواتف كانت الخطوة متأخرة جداً وخجولة أيضاً، واليوم لم تعد الشركة تمتلك أي اهتمام بسوق الهواتف الذكية سواء من حيث المعالجات أو حتى شرائح المودم.

 

في هذا الموضوع سنناقض الأسباب الأساسية التي جعلت دخول شركة Intel إلى سوق الهواتف أمراً محسوماً قبل أن يبدأ ربما، ولماذا فشلت الشركة في توسيع تفوقها الحاسوبي نحو الهواتف الذكية على الرغم من كل المقومات التي تحسب لصالحها.

 

مشكلة معالجات x86 وكونها غير مناسبة للهواتف والأجهزة الصغيرة

 

تعبر تسمية x86 عن مجموعة معالجات Intel التي تم تطويرها لتعمل مع مجموعة تعليمات محددة من الشركة، حيث تستمر Intel باستخدام نفس مجموعة التعليمات تقريباً منذ نهاية السبعينيات حتى الآن مع بعض التعديلات والتحديثات كل فترة بطبيعة الحال. وتكمن المشكلة هنا بأن مجموعة التعليمات هذه معقدة نسبياً مع عدد كبير من التعليمات المدعومة لتنفيذ المهام.

 

لفهم الأمر بشكل أفضل، فأية أوامر توجه إلى المعالج يجب أن تقسم إلى مجموعة من التعليمات الصغيرة والمفردة، حيث يؤدي تنفيذ هذه التعليمات المتتالية إلى أداء المهمة بالشكل الأفضل.

 

بالنتيجة من الممكن أن تكون مجموعة التعليمات المدعومة مبسطة وصغيرة نسبياً وهنا يلقب المعالج باسم RISC (اختصاراً لعبارة Reduced instruction set computer التي تعني حاسوب بمجموعة تعليمات مختصرة).

 

أو أن تكون مجموعة التعليمات أكثر تعقيداً وهنا يلقب المعالج باسم CISC (اختصاراً لعبارة Complex instruction set computer التي تعني حاسوب بمجموعة تعليمات معقدة.

 

تنتمي معالجات x86 التي تصنعها Intel إلى الفئة الثانية (CISC)، ومع أن هذا الأمر لديه العديد من الفوائد من حيث تبسيط التعامل مع الحاسوب عموماً وبالأخص في مهام الأداء العالي، فهو يعاني من مشاكل عدة لدى المقارنة مع معالجات RISC مثل معالجات ARM المختلفة المنتشرة اليوم في الهواتف والأجهزة المحمولة عموماً.

 

بالمقارنة مع معالجات ARM يظهر العيبان الأساسيان لمعالجات x86 وهما:

 

استهلاك طاقة أعلى مقارنة بالأداء

 

بشكل عام لا تزال معالجات x86 مستخدمة على نطاق واسع عندما يكون الأداء العالي هو الأولوية، لكن هذا الأمر هو تضحية واضحة بالطاقة، إذ أن معالجات x86 تستهلك كميات طاقة أكبر بوضوح من معالجات ARM من نفس جيلها لتنفيذ نفس المهمة. ومع أن أمراً كهذا قد لا يكون مشكلة في الحواسيب المكتبية، فهو غير مناسب أبداً للهواتف الذكية حيث أن العمل بأكمله يتم بالاعتماد على بطارية ذات سعة صغيرة أصلاً.

 

الناتج الحراري الأكبر

 

مع كونها تستهلك المزيد من الطاقة، فمن المنطقي كون معالجات x86 تنتج كميات حرارة أكبر من نظيرتها المصممة من قبل ARM. وبالطبع فالناتج الحراري الأكبر يحتاج إلى تبريد فعال أكثر مثل المراوح أو حتى التبريد المائي. وبينما تستطيع الحواسيب وحتى اللابتوبات التعامل مع التبريد عادة، فالأمر مشكلة حقيقية في الهواتف حيث لا توجد وسيلة تبريد سوى المبادلة الحرارية بين هيكل الهاتف والهواء الخارجي، لذا هناك أولوية كبرى للناتج الحراري الأصغر في هذه الفئة من المنتجات.

 

تجنب منافسة القطاعات الأخرى والتركيز على المجالات الأعلى ربحية

 

عندما بدأ انتشار الهواتف الذكية كانت شركة Intel تمر بفترة نمو كبيرة جداً مع سيطرة متزايدة على سوق المعالجات الحاسوبية. ومع أن الهواتف الذكية كانت مجالاً واعداً دون شك، فقد كان التركيز عليها يعني حدوث منافسة داخلية بين أقسام الشركة المختلفة حيث تخسر حصة من سوق مثبت أصلاً لتنمية سوق غير مضمون وجديد تماماً.

 

المشكلة الثانية هنا هي الربحية، حيث أن قسم معالجات الهواتف في الشركة كلف مليارات الدولارات للبحث والتطوير، وبالمقابل لم يحقق أية عائدات تبرر المصاريف الهائلة له، بل كان خاسراً بامتياز واستمرت خسارته بالاشتداد بمرور الوقت. وبالمقابل كان قسم معالجات الحواسيب في الشركة مستمراً في الازدهار أكثر وأكثر.

 

بالطبع وحتى مع فشل معالجات x86 للهواتف، كان من الممكن لشركة Intel أن تنافس عبر صنع معالجات بتصاميم ومجموعة تعليمات ARM المنافسة. لكن حتى هذه الفكرة كانت تحمل مشاكل هامة ضمنها، إذ أن مصاريف الشركة ستزداد لأنها تحتاج لدفع تكاليف الترخيص لشركة ARM من جهة، كما أنها ستدفع الكثير من المال لتعديل منشئاتها لصنع معالجات ARM الرخيصة عادة.

 

بالنسبة للشركة لطالما كان تصنيع عدد أقل من منتجات أغلى مع هوامش ربح عالية أفضل من تصنيع عدد أكبر من منتجات رخيصة مع هوامش ربح متدنية، ومع الوقت طغى هذا الميل وأدى لتخلي شركة Intel عن تصنيع معالجات الهواتف ومن ثم تصنيع شرائح المودم حتى.

 

هل يمكن أن تعود شركة Intel إلى مجال معالجات الهواتف أصلاً؟

 

كانت تجربة الشركة مع معالجات الهواتف محدودة للغاية، حيث أنها أصدرت جيلاً واحداً شغل هواتف Asus Zenfone 2 وLenovo K80 فقط، والآن بعد خمس سنوات تبدو الشركة مبتعدة أكثر وأكثر عن مجال الهواتف الذكية ككل، بل أنها تخطط للتوسع في مجال بطاقات الرسوميات مع الكشف عن بطاقات رسوميات جديدة عالية الأداء من الشركة مؤخراً.

 

من حيث المبدأ ربما تنجح شركة Intel في جعل معالجات x86 ذات أداء أفضل وناتج حراري أقل في المستقبل، لكن الاحتمال الأكبر هو أن الشركة سترغم على استخدام مجموعة تعليمات ARM وحتى هكذا أمر يبدو بعيداً لأن الشركة تريد التركيز على منتجاتها الأربح فقط.

 

في المدى المنظور تبدو الأمور بعيدة عن متناول Intel في المجال، فهي لا تزال بعيدة للغاية عن أن تنافس شركات مثل TSMC وSamsung من حيث المعماريات عالية الدقة والتي وصلت حتى 5nm حالياً بينما لا تزال Intel محدودة عند معمارية 10nm فقط.

قد يعجبك ايضا