كيف يمكن أن ترتد العقوبات الأمريكية على هواوي إلى أمر إيجابي للعملاقة الصينية

كثاني أكبر مصنع للهواتف الذكية في العالم، والشركة المهيمنة في قطاع الاتصالات وتجهيزاتها وبالأخص شبكات الجيل الخامس، لم يعد من الممكن لأحد أن يتجاهل القوة الكبيرة التي تتمتع بها شركة هواوي في السوق التقنية العالمية. فهي ليست مجرد شركة عادية اليوم، بل أنها تدير امبراطورية تقنية تدخل في العديد من المجالات وتثبت تميزها ضمنها حتى، وهذا التميز بالتحديد قد يكون أحد أسباب اليوم من عقوبات وقيود أمريكية على الشركة.

 

منذ شهر مايو من عام 2019 بدأت الولايات المتحدة حملة كبرى ضد شركة هواوي في الواقع، إذ وضعت الشركة على قائمة سوداء منعت الشركات الأمريكية من التعامل معها بشكل مباشر أولاً، ومنذ ثم تم تشديد الأمر قبل أشهر لتمنع أي شركة تستخدم التكنولوجيا الأمريكية من التعامل مع هواوي. ومع أن هذه القرارات الأمريكية تمتلك تأثيرات سلبية وضارة دون شك، فمن الممكن النظر إلى الأمر من ناحية أخرى تماماً ورؤية جانب إيجابي قد يأتي مما حصل ويحصل اليوم.

 

في السنوات الأخيرة بات دور هواوي الريادي يظهر بشكل واضح جداً مقارنة بالماضي، فالشركة ليست مجرد مصنع يتابع اختراعات الآخرين ويضمنها لديه، بل أنها تقود في العديد من المجالات المختلفة وتصرف ميزانيات هائلة على البحث والتطوير لابتكار تقنيات جديدة أكثر فعالية أو تقديم حلول جديدة تماماً تغير العالم التقني ككل، ومع أن هذه الأمور واضحة بقوة في قطاع الهواتف في الشركة، فهي أوضح في مجال الاتصالات حيث تعد الشركة أهم مطوري تقنيات اتصالات الجيل الخامس (5G) وقد نجحت بتوزيع شبكاتها حول العالم بفعالية أكبر من أي منافس آخر.

 

بغض النظر عن الحجج الأمريكية المعلنة عن سبب عقوباتها على الصين، فالواقع هو أن هناك حوافز إضافية ربما تلعب دوراً في هذه “الحرب التقنية” ضد هواوي. إذ أن الصناعة التقنية الأمريكية كانت متفوقة ومهيمنة عالمياً لعقود طويلة، والعديد من الاختراعات منذ بداية الحوسبة وحتى اليوم تعود للولايات المتحدة بشكل مباشر أو أنها تمتلك جذورها في تقنيات اخترعت في الولايات المتحدة. لكن الأمور لم تعد كما كانت في الماضي اليوم، وكنتيجة حتمية للنهضة الاقتصادية الكبرى التي شهدتها الصين عبر العقود الأخيرة بات هناك أخيراً منافس حقيقي للتقنية الأمريكية. ومع أن المنافسة مفيدة دائماً للمستخدم النهائي والمستهلكين، فالنظرة مختلفة من قبل المهيمنين على مجال ما عندما يشهدون ظهور متحدٍّ جديد لسيطرتهم.

 

مع أن السوق الحرة للابتكارات هي أمر أساسي للابتكار والتطوير وتحقيق أهداف عظمى، فمن الممكن لهذه الحرية أن تنتج أضراراً على المنافسة في الواقع، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بالمعايير المحددة. فعلى الرغم من التنوع الشديد لشرائح معالجات الهواتف اليوم فهي بالكامل مبنية على مجموعة تعليمات ARM فقط. وكذلك هو الامر في عدة مجالات أخرى حيث يكون هناك تنوع في المصنعين والعلامات التجارية ربما، لكن الأساس واحد، كما هو الحال في أنظمة الهواتف الذكية التي يسيطر فيها نظاما Android وiOS على كامل السوق، ومع أن Android يأتي بإصدارات مختلفة حسب تخصيص كل شركة، فهو نفس النظام بالنهاية.

 

كون السوق المفتوحة والتجارة الحرة مفيدة، فمن المنطقي كون وضع القيود في وجه هذه الأمور سلبية كبيرة، لكن وفي بعض الحالات يكون الأمر “رب ضارة نافعة”. فمع أن حجب تقنيات معينة عن شركات أو بلدان دون سواها قد يؤثر بشكل سلبي جداً على المدى القصير مثلاً، فمن الممكن لهذا الأمر أن يدفع ضحايا هذه الإجراءات إلى تطوير تقنياتهم الخاصة بهم والمستقلة عن التقنيات الأخرى وتستطيع منافستها بشكل مباشر.

 

بالطبع من الضروري أن يكون ضحايا حد التجارة والتقنية يمتلكون القوة الاقتصادية والخلفية المعرفية والإمكانات الصناعية اللازمة للنهوض والإنجاز بدلاً من الاستسلام للواقع الجديد، وإن كان هناك أحد مجهز كفاية لأمر كهذا فهو شركة هواوي دون شك. فالشركة ناجحة مالياً بشكل استثنائي، كما أنها تمتلك مخزوناً معرفياً هائلاً من البحث والتطوير الذي تجريه والموظفين الخبراء في العديد من مجالات عمل الشركة، كما أنها تتخذ من الصين مقراً لها، وكما نعرف جميعاً فالصين هي “مصنع الكوكب” وبالأخص في المجال التقني.

 

على الرغم من العقوبات التي فرضت منذ عام 2019 استمرت شركة هواوي بالنمو المضطرد بفضل عملها الدؤوب على التطوير والابتكار، فقد حققت نمواً في المبيعات وفي عائداتها حتى خلال فترات صعبة مثل النصف الأول من عام 2020 الجاري والذي تضمن تراجع معظم منافسي الشركة. وكون الشركة قد قفزت 42 مرتبة دفعة واحدة لتصبح السادسة عالمياً في ترتيب أفضل الشركات من حيث الابتكارات الذي تصدره مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG).

 

بالطبع لا يمكن التنبؤ بما سيحدث حقاً، والزمن هو الوحيد الكفيل بإخبارنا عما سيحل بشركة هواوي في ظل العقوبات الجديدة عليها. لكن وعلى الرغم من كل المصاعب المفروضة على الشركة والموضوعة أمامها اليوم فهي تمتلك فرصة مميزة لتقوم بأمر مختلف حقاً، وبالاعتماد على التقنيات الكبرى التي طورتها عبر سنوات عملها من الممكن أن نشهد نهضة تقنية صينية جديدة تقودها هواوي وتغير واقع القطب التقني الواحد الذي نعيشه اليوم لنشهد تنافساً أكبر نكون كمستخدمين أكبر المستفيدين منه.

قد يعجبك ايضا